أمراض القلب عند الأطفال: أشهر الأنواع ومتى تصبح الجراحة ضرورية؟
قد يثير اكتشاف مشكلة في القلب لدى الطفل كثيرًا من القلق لدى الوالدين، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمرض خلقي أو سماع الطبيب لنفخة قلبية. لكن أمراض القلب عند الأطفال ليست نوعًا واحدًا، كما أن وجود عيب في القلب لا يعني بالضرورة الحاجة إلى الجراحة؛ فبعض الحالات تكون بسيطة وتحتاج إلى المراقبة فقط، بينما تتطلب حالات أخرى أدوية أو قسطرة قلبية أو تدخلًا جراحيًا لإصلاح الخلل.
وتختلف طريقة العلاج بحسب نوع المرض، وشدته، وعمر الطفل، وتأثير المشكلة في تدفق الدم ووظيفة القلب. فما أبرز أنواع أمراض القلب عند الأطفال؟ ومتى يحتاج الطفل إلى جراحة القلب؟
أنواع أمراض القلب عند الأطفال
تنقسم أمراض القلب عند الأطفال بصورة عامة إلى عيوب خلقية في القلب موجودة منذ الولادة، وحالات قلبية أخرى قد تظهر خلال الطفولة نتيجة أسباب مكتسبة. وتختلف الأعراض والعلاج من حالة إلى أخرى، كما أن بعض العيوب الخلقية قد تكون بسيطة ولا تسبب مشكلات مهمة، بينما تحتاج عيوب أخرى إلى تدخل مبكر.
ومن أبرز أمراض القلب التي قد تصيب الأطفال:
عيب الحاجز الأذيني
عيب الحاجز الأذيني هو أحد أمراض القلب عند الأطفال الشائعة ويتميز بوجود فتحة غير طبيعية بين حجرتي القلب العلويتين، ما يسمح بمرور الدم بين الأذينين بدلًا من تحركه في مساره الطبيعي.
قد تكون الفتحات الصغيرة غير مؤثرة وتغلق تلقائيًا مع نمو الطفل، ولذلك قد يكتفي الطبيب بالمراقبة الدورية. أما الفتحات الكبيرة فقد تؤدي مع الوقت إلى زيادة تدفق الدم إلى الرئتين وإجهاد القلب.
العلاج والجراحة: يعتمد العلاج على حجم الفتحة وتأثيرها في القلب. وقد يتم إغلاق بعض الحالات باستخدام القسطرة القلبية ووضع جهاز لإغلاق الفتحة، بينما قد يحتاج بعض الأطفال إلى جراحة لإغلاقها إذا كانت كبيرة أو غير مناسبة للإغلاق بالقسطرة.
عيب الحاجز البطيني
يتمثل عيب الحاجز البطيني في وجود فتحة بين البطينين، وهي من أكثر عيوب القلب الخلقية شيوعًا. وتسمح الفتحة بانتقال الدم من البطين الأيسر إلى البطين الأيمن، ما قد يزيد تدفق الدم إلى الرئتين.
تختلف الأعراض بحسب حجم الفتحة، فقد لا تسبب الفتحات الصغيرة أعراضًا واضحة، بينما قد تؤدي الفتحات الكبيرة إلى سرعة التنفس وصعوبة الرضاعة وضعف زيادة الوزن وأعراض قصور القلب.
العلاج والجراحة: يمكن أن تُغلق بعض الفتحات الصغيرة تلقائيًا، بينما قد تستخدم الأدوية لتخفيف أعراض قصور القلب مؤقتًا. وإذا كانت الفتحة كبيرة وتسبب ضغطًا على القلب أو الرئتين أو تؤثر في نمو الطفل، فقد يكون إغلاقها بالقسطرة في حالات مختارة أو الجراحة ضروريًا.
تضيق الصمام الرئوي
يحدث تضيق الصمام الرئوي عندما يصبح الصمام الذي يسمح بمرور الدم من البطين الأيمن إلى الشريان الرئوي ضيقًا، ما يجبر القلب على بذل جهد أكبر لدفع الدم إلى الرئتين.
تعتمد شدة الحالة على درجة التضيق، وقد لا يحتاج التضيق الخفيف إلى علاج فوري، وإنما إلى المتابعة المنتظمة لدى طبيب قلب الأطفال.
العلاج والجراحة: عندما يكون التضيق شديدًا أو يسبب أعراضًا أو ضغطًا مرتفعًا داخل البطين الأيمن، يمكن في كثير من الحالات علاجه بواسطة توسيع الصمام بالبالون عبر القسطرة. وقد تكون الجراحة مطلوبة في حالات معينة عندما لا تكون القسطرة مناسبة أو عندما توجد مشكلات أخرى في الصمام أو القلب.
تضيق الصمام الأورطي
يؤدي تضيق الصمام الأورطي إلى صعوبة خروج الدم من البطين الأيسر إلى الشريان الأورطي، ما يزيد العبء على عضلة القلب. وقد يكون التضيق موجودًا منذ الولادة، وقد تختلف شدته بشكل كبير بين الأطفال.
قد يكتشف الطبيب الحالة بسبب نفخة قلبية أو أعراض مثل التعب وضيق التنفس أو ألم الصدر، خصوصًا عند الأطفال الأكبر سنًا.
العلاج والجراحة: يحتاج التضيق الخفيف إلى متابعة منتظمة، بينما قد يتطلب التضيق الشديد تدخلًا لتوسيع الصمام بالقسطرة أو إجراء جراحة لإصلاح الصمام أو استبداله، بحسب عمر الطفل وشدة الحالة وتشريح الصمام.
تضيق الأبهر
يحدث تضيق الأبهر عندما يكون جزء من الشريان الأورطي أضيق من الطبيعي، ما يعيق تدفق الدم إلى الجزء السفلي من الجسم ويرفع ضغط الدم في الجزء العلوي.
يمكن أن تختلف الأعراض من طفل إلى آخر، وقد تشمل ارتفاع ضغط الدم، والصداع، وبرودة الأطراف، والتعب، أو صعوبة التنفس في الحالات الشديدة لدى حديثي الولادة.
العلاج والجراحة: قد يحتاج حديثو الولادة المصابون بتضيق شديد إلى علاج عاجل للحفاظ على تدفق الدم، وقد تُستخدم أدوية مؤقتة في الحالات الحرجة. ويُعالج التضيق عادةً بإصلاح جراحي، بينما يمكن استخدام القسطرة وتوسيع المنطقة بالبالون، وأحيانًا وضع دعامة، في بعض الأطفال الأكبر سنًا أو في حالات محددة.
رباعية فالو
رباعية فالو من عيوب القلب الخلقية المعقدة، وتتكون من أربعة تغيرات في بنية القلب، أهمها وجود عيب في الحاجز البطيني وتضيق في مسار خروج الدم من البطين الأيمن، ما قد يؤدي إلى انخفاض كمية الأكسجين في الدم.
قد يظهر على الطفل ازرقاق في الجلد أو الشفتين، وسرعة التنفس، والتعب أثناء الرضاعة أو نوبات من زيادة الزرقة في بعض الحالات.
العلاج والجراحة: غالبًا ما تحتاج رباعية فالو إلى إصلاح جراحي، وقد يتم التدخل خلال السنة الأولى من الحياة أو في توقيت يحدده فريق قلب الأطفال وفق حالة الطفل وتشريح القلب. وفي بعض الحالات، قد يحتاج الطفل إلى تدخل مؤقت قبل الإصلاح الكامل.
متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج
تُعد متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج من أشد عيوب القلب الخلقية، وفيها تكون أجزاء مهمة من الجانب الأيسر للقلب، مثل البطين الأيسر والصمام الأورطي أو الصمام التاجي، غير مكتملة النمو.
ويحتاج الطفل المصاب إلى علاج متخصص منذ الساعات الأولى بعد الولادة للحفاظ على الدورة الدموية.
العلاج والجراحة: يتضمن العلاج عادةً سلسلة من العمليات الجراحية، تبدأ غالبًا بعملية نورود، ثم عمليات لاحقة مثل عملية غلين وعملية فونتان، بهدف إعادة تنظيم تدفق الدم بطريقة تسمح للقلب بالتعامل مع الدورة الدموية رغم عدم اكتمال الجانب الأيسر. وفي بعض الحالات قد يُبحث خيار زراعة القلب.
ما أمراض القلب عند الأطفال التي تكون مكتسبة؟
ليست جميع أمراض القلب عند الأطفال موجودة منذ الولادة؛ فقد تظهر بعض الحالات بعد الولادة نتيجة العدوى أو أمراض المناعة أو عوامل أخرى.
ومن الأمثلة المهمة:
التهاب عضلة القلب
قد يحدث التهاب عضلة القلب نتيجة عدوى فيروسية أو أسباب أخرى، ويمكن أن يؤثر في قدرة القلب على ضخ الدم.
العلاج: يعتمد على السبب وشدة الحالة، وقد يشمل الراحة والمراقبة والأدوية المستخدمة لعلاج قصور القلب أو اضطرابات نظم القلب. ونادرًا ما تحتاج الحالات الشديدة جدًا إلى أجهزة دعم الدورة الدموية أو زراعة القلب.
مرض كاواساكي
مرض كاواساكي هو حالة التهابية تصيب الأطفال ويمكن أن تؤثر في الأوعية الدموية التي تغذي القلب، وخاصة الشرايين التاجية.
العلاج: يعتمد العلاج المبكر عادةً على الغلوبولين المناعي الوريدي والأسبرين تحت إشراف طبي، بهدف تقليل خطر حدوث مضاعفات في الشرايين التاجية. وقد تحتاج المضاعفات القلبية النادرة إلى تدخلات متخصصة.
اضطرابات نظم القلب
تشمل اضطرابات نظم القلب حالات يصبح فيها نبض القلب سريعًا جدًا أو بطيئًا جدًا أو غير منتظم.
العلاج والجراحة: يعتمد العلاج على نوع اضطراب النظم. وقد يحتاج بعض الأطفال إلى أدوية، بينما يمكن علاج بعض أنواع تسرع القلب بواسطة القسطرة الكهربية والاستئصال بالقسطرة. وفي حالات محددة قد يحتاج الطفل إلى جهاز لتنظيم ضربات القلب أو مزيل رجفان قابل للزرع.
متى يحتاج الطفل إلى جراحة القلب؟
لا تُتخذ جراحة القلب لمجرد وجود عيب في القلب، بل يعتمد القرار على تأثير المشكلة في صحة الطفل ووظيفة القلب والدورة الدموية.
وقد يوصي فريق قلب الأطفال بالجراحة عندما:
- يكون العيب القلبي شديدًا ويؤثر في تدفق الدم أو مستويات الأكسجين.
- يؤدي العيب إلى إجهاد واضح على عضلة القلب.
- يسبب ارتفاعًا متزايدًا في الضغط داخل الرئتين.
- يؤثر في نمو الطفل أو قدرته على الرضاعة والنشاط.
- لا تكون الأدوية أو المراقبة كافية للسيطرة على المشكلة.
- تكون الجراحة ضرورية لتصحيح عيب خلقي معقد.
- يكون هناك خطر متزايد لحدوث مضاعفات إذا تأخر الإصلاح.
وفي بعض الحالات لا تكون الجراحة المفتوحة هي الخيار الأول، إذ يمكن علاج بعض عيوب القلب باستخدام القسطرة القلبية، مثل إغلاق بعض الثقوب أو إغلاق القناة الشريانية أو توسيع بعض الصمامات والشرايين.
هل يمكن أن يعيش الطفل حياة طبيعية بعد جراحة القلب؟
تختلف النتائج حسب نوع عيب القلب ومدى تعقيده ونوع الجراحة التي أُجريت. ويستطيع كثير من الأطفال بعد إصلاح عيوب القلب العودة إلى الدراسة والنشاط وممارسة حياة طبيعية أو قريبة من الطبيعية، مع استمرار الحاجة إلى المتابعة الطبية لدى بعضهم.
وقد يحتاج الأطفال الذين خضعوا لجراحات القلب إلى فحوص دورية للتأكد من استمرار عمل القلب والصمامات بصورة جيدة، والكشف المبكر عن أي مضاعفات أو مشكلات قد تظهر مع النمو.
متى يجب مراجعة طبيب قلب الأطفال؟
قد لا تكون أعراض أمراض القلب عند الأطفال واضحة دائمًا، لذلك من المهم تقييم الطفل طبيًا عند ظهور علامات غير معتادة، خصوصًا إذا كانت متكررة أو شديدة.
ومن العلامات التي تستدعي التقييم:
- ازرقاق الشفاه أو الجلد.
- ضيق التنفس أو سرعة التنفس بشكل غير معتاد.
- التعب الشديد أثناء الرضاعة أو تناول الطعام.
- ضعف زيادة الوزن أو النمو.
- التعرق المفرط أثناء الرضاعة.
- الإغماء، خاصة أثناء النشاط.
- خفقان القلب المتكرر.
- ألم الصدر المتكرر أو المرتبط بالمجهود.
- انخفاض القدرة على ممارسة النشاط مقارنة بالأطفال من العمر نفسه.
ولا تعني هذه الأعراض بالضرورة وجود مرض في القلب، لكنها تستدعي تقييمًا طبيًا لتحديد سببها.